عبد الرحمن حسن حبنكه الميداني

103

معارج التفكر ودقائق التدبر

قول اللّه تعالى يعرض لقطة من لقطات مشاهد يوم القيامة : * وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلائِكَةِ أَ هؤُلاءِ إِيَّاكُمْ كانُوا يَعْبُدُونَ ( 40 ) وفي القراءة الأخرى : [ ويوم نحشرهم جميعا ثمّ نقول ] : الحشر : السّوق والجمع . أي : ضع في ذاكرتك أيّها المتلقّي لبيانات ربّك في آيات كتابه ، هذا المشهد الّذي نحدّثك عنه ، والّذي يكون يوم يحشر ربّك الإنس والجنّ الّذين كانوا موضوعين في الحياة الدّنيا موضع الابتلاء جميعا ، ويسوقهم إلى موقف الحساب ، ويأتي بالشّهود ومنهم الملائكة . ثمّ بعد وقوف المحاسبين والشّهود ، وهذا المشهد يتعلّق بالمشركين والملائكة الّذين كان شياطين الجنّ يزعمون لقرنائهم من الإنس أنّهم منهم ، يقول اللّه عزّ وجلّ للملائكة : أهؤلاء الّذين كانوا في الدّنيا مشركين إيّاكم كانوا يعبدون ، أي : يطيعون في أوامر الدّين بحسب ما يزعمون ؟ قدّم المفعول به إِيَّاكُمْ على الفعل يَعْبُدُونَ لإفادة التّخصيص ، أي : أهؤلاء المشركون كانوا يخصّونكم بالعبادة ؟ قول اللّه عزّ وجلّ مبينا ما يجيب به الملائكة ، وجاء بصيغة الفعل الماضي استقطاعا من الحدث المستقبليّ ، للدّلالة على أنّه سوف يقع حتما ، فهو بقوّة الأمر الّذي وقع فعلا : * قالُوا سُبْحانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ ( 41 ) : * قالُوا سُبْحانَكَ : أي : قال الملائكة : ربّنا تنزّهت عن أن يكون لك شركاء في ربوبيّتك أو في إلهيّتك ، ونحن نتبرّأ من الرّضا بعبادتهم لنا . * أَنْتَ وَلِيُّنا مِنْ دُونِهِمْ أي : أنت وحدك ربّنا ، ومالكنا ، وإلهنا ،